الشيخ محمد هادي معرفة

443

تلخيص التمهيد

غيرهم لعلمهم باتّفاقه مع المحكم ، فهم لرسوخهم في العلم ووقوفهم على حقِّ اليقين لا يضطربون ولا يتزعزعون ، بل يؤمنون بهذا وبذاك على حدّ سواء ، لأنَّ كلًاّ منهما من عند اللَّه ربّنا ، ولا غرو فالجاهل في اضطراب دائم والراسخ في ثبات لازم . ومَن اطَّلع على ينبوع الحقيقة لا تشتبه عليه المجاري ، فهو يعرف الحقَّ بذاته ، ويرجع كلّ قول إليه ، قائلًا : آمنّا به كلّ من عند ربّنا « 1 » . بقي هنا شيء وهو : أنّ الإمام الرازي - تأكيداً لاختياره الاختصاص - استمدّ بالأدب الرفيع ! وقال : إنّ العطف بعيد عن ذوق الفصاحة ، ولو أريد العطف لكان الأولى أن يقال : وهم يقولون آمنّا به ، أو يقال : ويقولون آمنّا به « 2 » . ووافقه على هذا الذوق الأدبي ! سيّدنا العلّامة الطباطبائي ، قائلًا : وظاهر الحصر كون العلم بالتأويل مقصوراً عليه تعالى . وظاهر الكلام أنَّ الواو في « والراسخون » للاستيناف ، لكونه طرفاً للترديد الواقع في صدر الآية « فأمّا الَّذين . . . » . ولو كان للعطف الدالّ على التشريك لكان من أفضل الراسخين حينذاك هو الرسول الأعظم ، فكان من حقّه أن يفرد بالذكر ، تشريفاً بمقامه كما في قوله تعالى : « آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ » « 3 » وقوله : « ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ » « 4 » وقوله : « وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا » « 5 » . قلت : إن كنّا نرى لهذين العَلَمين منزلتهما الشامخة في مجال الحكمة والعلوم العقليَّة فإنّ ذلك - بنفس المرتبة - أبعدهما عن عالم الأدب اللسني والعلوم النقلية ، لا سيَّما وأنّهما لم يذكرا سبب تلك الاستذاقة الغريبة ! وقد أسلفنا نقل كلام أئمَّة الأدب في ترجيح العطف على الاستيناف .

--> ( 1 ) تفسير المنار : ج 3 ص 167 . ( 2 ) التفسير الكبير : ج 7 ص 177 . ( 3 ) البقرة : 285 . ( 4 ) التوبة : 26 . ( 5 ) آل عمران : 68 .